التفتازاني
194
شرح المقاصد
ولو سلّم ، فالنظر الموصول ( بإلى ) ليس بمعنى الرؤية ، ولا ملزوما لها « 1 » لاتصافه بما لم تتصف به الرؤية مثل الشدة والازورار والرضى والتحيز والذل والخشوع ولتحققه مع انتفاء الرؤية مثل : نظرت إلى الهلال فلم أره . قال اللّه تعالى وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ « 2 » وجعله مجازا عن الرؤية ليس بأولى من حمله على حذف المضاف أي ناظرة إلى ثواب ربها على ما ذكره علي « 3 » رضي اللّه عنه ، وكثير من المفسرين . وبالجملة : فلا خفاء في أن ما ذكرنا احتمالات تدفع الاحتجاج بالآية . وأجيب : بأن سوق الآية لبشارة المؤمنين ، وبيان أنهم يومئذ في غاية الفرح والسرور ، والإخبار بانتظارهم النعمة والثواب لا يلائم ذلك ، بل ربما ينافيه ، لأن الانتظار موت أحمر ، فهو بالغم والحزن والقلق وضيق الصدر أجدر ، وإن كان مع القطع بالحصول على أن كون ( إلى ) اسما بمعنى النعمة لو ثبت في اللغة فلا خفاء في بعده وغرابته وإخلاله بالفهم عند تعلق النظر به ، ولهذا لم يحمل الآية عليه « 4 » أحد من أئمة التفسير في القرن الأول والثاني بل أجمعوا على خلافه : وكون النظر الموصول ( بإلى ) سيما المستند إلى الوجه بمعنى الانتظار مما لم يثبت عن الثقات ولم تدل عليه الآيات لجواز أن يحمل على تقليب الحدقة بتأويلات لا تخفى . وأما اعتبار حذف المضاف فعدول عن الحقيقة أو المجاز المشهور في « 5 » الحذف الذي لا يظهر فيه قرينة تعيين المحذوف ، وتمام الكلام في الإشكالات الموردة من قبل المعتزلة على الاحتجاج بالآية . والتقصّي عنها من قبل أهل الحق مذكور في نهاية العقول « 6 » للإمام الرازي .
--> ( 1 ) في ( أ ) بزيادة لفظ ( لها ) . ( 2 ) سورة الأعراف آية رقم 198 . ( 3 ) هو الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشميّ أبو الحسن أمير المؤمنين ، رابع الخلفاء الراشدين ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ، وابن عم النبي - صلى اللّه عليه وسلّم وصهره ، ولي الخلافة بعد مقتل عثمان - رضي اللّه عنه . وقتل عام 40 ه رضي اللّه عنه . ( 4 ) في ( أ ) بزيادة لفظ ( عليه ) . ( 5 ) في ( ب ) إلى بدلا من ( في ) . ( 6 ) الكتاب يسمى نهاية العقول في الكلام في دراية الأصول - يعني أصول الدين : للإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي المتوفى سنة 606 ه رتبه على عشرين أصلا راجع كتاب كشف الظنون ج 2 ص 1988 .